الذاكرة الاجتماعية: صناعة المفهوم، وعلاقته المشتركة بالذاكرة الدولتية
فاروق عيتاني - الذاكرة الجماعية ليست مجرد تذكر مشترك للماضي، بل هي الطريقة التي تعيد بها الجماعات بناء الماضي بما يخدم فهمها للحاضر وصورتها عن نفسها. أي أن الناس لا يتذكرون التاريخ كأفراد معزولين، بل ضمن جماعات: عائلة، طائفة، أمة، حزب، مدينة، أو دولة. لذلك فالذاكرة الجماعية ليست “أرشيفًا محايدا”، بل بناء اجتماعي وثقافي وسياسي أيضا. أول من أعطى المفهوم صياغته الحديثة هو عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس في عشرينيات القرن العشرين، خصوصًا في كتابه "الأطر الاجتماعية للذاكرة" (1) سنة 1925. هالبفاكس كان متأثرا بمدرسة إميل دوركايم التي رأت أن المجتمع ليس مجرد مجموع أفراد، بل كيان ينتج رموزه وقيمه وصورته عن نفسه. عند هالبفاكس، الفرد يتذكر داخل “إطار اجتماعي”، أي أن الجماعة تحدد ما ينبغي تذكره وما ينبغي نسيانه. لاحقا توسع المفهوم مع أعمال المؤرخ الفرنسي بيير نورا الذي طرح فكرة "أماكن الذاكرة"(2) أي أن الأمم تصنع ذاكرتها عبر النصب، المتاحف، الأعياد، المناهج، صور الشهداء، وحتى أسماء الشوارع. هنا لم تعد الذاكرة مجرد تذكر، بل أصبحت صناعة رمزية للهوية. ثم جاء الاهتمام الألماني مع يان أسمان الذي ميز بين "الذاكرة التواصلية" (ما يتناقله الأحياء شفهيا) مثل نموذج المهندس طارق كوا، و"الذاكرة الثقافية" التي تحفظها المؤسسات والنصوص والطقوس. وهنا دخلت الذاكرة إلى صلب بناء الدول والهويات القومية.
في الأدبيات الحديثة صار الحديث عن الذاكرة الجماعية والذاكرة الوطنية والذاكرة الثقافية وسياسات الذاكرة وحروب الذاكرة والنسيان المنظم، أي أن السؤال لم يعد: ماذا حدث؟ أو لماذا حدث؟ - كما احاول انا- بل: كيف يُروى ما حدث؟، ومن يملك حق الرواية؟
في المشرق العربي، تأخر الاهتمام النظري بالذاكرة الجماعية حتى الثمانينيات والتسعينيات، رغم أن المجتمعات كانت تعيشها فعليا منذ زمن طويل عبر المرويات الطائفية والعائلية والبطولية. السبب أن الدولة العربية الحديثة كانت تميل إلى كتابة "رواية رسمية" للتاريخ أكثر من اهتمامها بتعدد الذواكر. الحرب اللبنانية تحديدا دفعت بقوة نحو هذا الحقل. بعد عام 1990 ظهر سؤال: هل انتهت الحرب فعلاً، إذا كانت كل طائفة تحمل سرديتها الخاصة؟ هنا دخل مفهوم الذاكرة الجماعية إلى الجامعات والصحافة والأفلام والروايات، كما برز الاهتمام في فلسطين بعد النكبة، وفي سوريا والعراق لاحقا مع الحروب والانهيارات. وكما يعاد في سوريا برئاسة أحمد الشرع حاليا بعد انتهاء سردية المقبورين أبا وابنا وبيئة ساندة. ومن الأسماء التي اقتربت من هذا الحقل عربيا: إلياس خوري في ربط الرواية بالذاكرة والحرب، وأمين معلوف في سؤال الهوية والذاكرة والانتماء، وبرهان غليون في نقد الدولة العربية وبناء السرديات السياسية، وإدوارد سعيد خصوصًا في علاقة السردية بالسلطة والهوية والمنفى.
وفي لبنان ظهرت أعمال روائية وسينمائية كثيرة حول"ذاكرة الحرب" أكثر مما ظهرت دراسات سوسيولوجية خالصة.
بالنسبة الى النستولوجيا، فهي بالفعل جزء من الذاكرة الجماعية، لكنها ليست الذاكرة كلها. النستولوجيا هي الحنين إلى ماضٍ يعاد تخيله غالبا بصورة أجمل وأكثر انسجاما مما كان عليه فعلا. لذلك يمكن للنستولوجيا أن تتحول إلى تعويض نفسي عن حاضر مضطرب، أو محاولة لاستعادة هوية مفقودة، وأداة سياسية لتجميد المجتمع داخل "العصر الذهبي". وتظهر الخطورة التي كنت المح إليها، حين تنقلب النستولوجيا من حنين طبيعي إلى إقامة دائمة داخل الماضي، تصبح شكلا من تعليب الوعي. أي يتحول الماضي من مادة للفهم إلى سجن للخيال السياسي والاجتماعي. ولكل هذا ترتبط الذاكرة الجماعية ارتباطا وثيقا بصناعة الهوية والدولتية. فكل دولة تقريبًا تبني نفسها عبر سردية تأسيس، وأبطال، وشهداء، وأعياد وطنية، ومناهج تعليم، ونصب وتماثيل، وإعادة ترتيب الماضي.
الدولة الحديثة لا تقوم بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى "ذاكرة مشتركة" تمنح الناس شعورا بأنهم جماعة واحدة. لهذا قال بعض الباحثين إن الأمة ليست فقط جغرافيا، بل "مجتمع يتذكر بطريقة مشتركة". لكن هنا أيضا تظهر الإشكالية، حين تفشل الدولة في إنتاج ذاكرة وطنية جامعة، تنبعث الذواكر الجزئية: الطائفية، المناطقية، الحزبية، العائلية، الضيعجية، والخرافة، وهذا ما عاشه لبنان ويعيشه طويلا: تعدد الذاكرات بدل ذاكرة وطنية واحدة. لذلك فهذه المفاهيم والأسئلة مترابطة جداً: الذاكرة الجماعية، النستولوجيا، والهوية، والدولتية، كلها تدور حول سؤال واحد عميق: من يملك الماضي، ومن يحق له أن يروي قصة الجماعة؟
- Les Cadres sociaux de la mémoire
- Lieux de mémoire

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook